* الحشائشى ورحلته إلى ليبيا :-
الكتاب محل البحث هنا هو المعروف بإسمين:
الأول : “جلاء الكرب عن طرابلس الغرب”.
الثاني : ” النفحات المسكية في أخبار المملكة الطرابلسية”.
وهو رحلة قام بها محمد بن عثمان الحشائشى التونسي إلى ليبيا سنة 1313 هـ /1895م.
ومحمد بن عثمان الحشائشى تونسي من مواليد الحاضرة 26 رمضان سنة 1271 هـ الموافق 12 يونيو 1855.
وأسرته حسب ما أورده محقق الكتاب على مصطفي المصراتي، كانت من البيوتات التي تنتمي إلى الأشراف، وكانت كلمة الشريف تضاف إلى إمضائه ولقبه.
بعد أن حفظ محمد القرآن الكريم انخرط في سلك طلاب جامع الزيتونة للدراسة، وأغترف من ذلك الينبوع الذي كان يتدفق بألوان الثقافة الإسلامية العربية، وتلقى دروس التوحيد والتفسير واللغة والأدب وغيرها على المنهج الذي كان يسير عليه الأساتذة والطلاب في تلك الحقب.
وكان محباً للتجوال والرحلة، فكان ينتقل من مكان إلى آخر ليشاهد المدن والقرى في الشواطئ والسواحل وفي البادية في الداخل، ولسنا ندري هل كانت قراءته لأخبار الرحلين الحافز له على هذه الرحلة، أم أن الرحلة هي التي حملته على قراءة أخبار الرحالين.
وبعد رحلات قصيره في بلده قام محمد بن عثمان برحلته الطويلة إلى ليبيا، وكان مكثه في ليبيا أقل من عام.
وجرياً على عادة الكثيرين ممن دونوا أخبار رحلاتهم أو حتى محصّل دراساتهم، يعزو المؤلف وضع أخبار هذه الرحلة إلى أن الأمر كان تلبية لرغبة ملحة تفضل بها عليه الكثيرون فهو يقول في ذلك ” أما بعد، فقد سألني بعض الأحباء والأصدقاء النجباء الألبّاء، من أهل العلم والأدب، أن أحرّر له كتابة مفيدة فيما يتعلق بتاريخ طرابلس الغرب، علماً منه أني أُحِسن صنع هذا المطلوب، حيث اشتهرت سياحتي في تلك المسالك والدروب، ومكثي بين تلك القبائل والشعوب، فبت أقدم رجلاً وأؤخر أخرى، أتردد في الإقدام والإحجام، لا أدري أيهما أجرى ولما وقع الإلحاح في المسألة، وتواردت على في هذا الغرض عدة أسئلة، استخرت الله في الموضوع، وطلبت منه فيض مدده الرباني للاستعانة على المشروع”.(6)
وذكر في مقدمته ” تتضمن (النفحات المسكية) ذكر ما يتعلق بمدينة طرابلس في القديم والحديث وذكر أول فاتح لها من الصحابة، ثم من ملكها من أمراء الإسلام والنصارى والبربر من لدن الفتح إلى الآن، وذكر أعمالها وبلدانها وقرأها، ووصف أراضيها وجبالها وعامرها وغامرها، وما يتميز به كل بلد منها من الآثار والحرف والصنائع، وذكر شعوبها وقبائلها وصحاريها، وأثمارها وبقاع الماء العذب فيها، ومسافات طرقها العامة والخاصة، وأصناف التجارة الداخلية والخارجية، وقوانين الدولة ومتصرفياتها، ومن اشتهر من أعلامها الفقهاء والمحدثين والشعراء وأرباب الأقلام، مع بعض من أشعارهم ورسائلهم ونحو من مقاطعهم وأخبارهم، وذكرت الصالحين وبعض من دفن في ترابها من الصحابة رضى الله عنهم وأعيان أكابر السلف، وما اشتهر من مساجدها وزواياها ومدارسها”.
* مختارات من الرحلة :
يسرد هنا الحشائشى ما شاهده في طرابلس في حينه، وهو يمثل توثيقاً اجتماعياً وأقتصادياً لأحوال البلاد أثناءها:
“أعلم أن غالبهم من البرابرة وطباعهم تميل إلى البداوة أكثر من الحضارة، وهم على كمال بشرى في أنفسهم، وغالبهم يميلون إلى التجارة خصوصاً في هاته السنين الأخيرة، فلهم متجر عظيم مع أهل السودان من برنو وواداى والتشاد وغات وغير ذلك، ولا يميلون إلى الغرباء في أول الأمر، وقد ذكرت هذا في رحلتي، لكن تحققت بعد ذلك أنهم إذا عاشروا الغريب أكرموه واعتبروه كأنفسهم، وصدق الله تحقيقي هذا ببيتين من الشعر وجدتهما ببعض التقارير للفقيه أبي الحسن:
لأهل طرابلس عادةٌ .. من البرّ تنسى الغريب الحميما
حللتُ بها مُكرهاً، ثم إذ .. أقمتُ بها أبدلوا الهاء ميمـا
وقول التجاني (أوائل القرن الثاني الهجري / الرابع عشر الميلادي)
سقى ربوعك يا مغنى طرابلس .. حياً يحييك عنى كل متنجس
فكم يدٍ لك في تأنيس مغتربٍ .. شطَّت به الدار عن أُنسٍ وعن أنسِ
أقمتُ فيك على حُكم النوى زمناً .. كأنني فيه للسلوان في عُراسِ
“وفي مدة أقامتي بهاته المدينة رأيت فيها أوباش البلد لهم مخالطة مع الجنس الإيطالي وغالبهم يتكلمون معه باللغة الطليانية، وأكثر الأوروبيين طليان”.(7)