هاني مباشر
واحة سيوة:
أنقي بقعة صحراوية في العالم.. والأرض الحمراء التي نسجت خيوطها الطبيعية بالاشتراك مع القصص والأساطير والتكهنات لتصنع واحدة من اللوحات الرائعة.. ورغم أنها الأبعد بين واحات مصر إلا أنها ذات مذاق ونكهة خاصة بفعل مكانها النائي في صحراء مصر الغربية وعادات أهلها وتقاليدهم المختلفة عن بقية سكان مصر.. ولغتهم الخاصة بهم..
وهو ماترصده آخر ساعة في السطور القادمة..
* من أين نبدأ؟!…
هكذا وللوهلة الأولي تصيبنا الحيرة.. ومعنا أيضا القلم الذي وجد نفسه عاجزا عن وصف مايشاهده ويسمعه.. فقط ولفترة طويلة من الزمن كان مسموحا له أن يقول:
‘سبحان ا’!..
ففي بطن الصحراء القاحلة ترقد هذه اللوحة الربانية في هدوء وسكينة محاطة بكل المتناقضات الحادة وكأنها في إنفاق سلام لاعودة عنه.. فالخضرة تمتزج مع الرمال الذهبية في ‘ ضفائر’ و’جدائل’ دقيقة الإعداد.. وعيون مياه تنفجر وسط الجفاف.. والهواء البارد يعانق أشعة الشمس الساخنة..
هنا بعيدا عن تلوث وصخب القاهرة.. والتي تستقبلك بنخيلها وأشجار زيتونها وكأنها تقول لك هي الأخري:
لاتفكر.. واستمتع باللحظات المسروقة من الزمن .. ولن تنساها مهما بعدت المسافات أوطال الزمن!..
قادة وعظماء دانت لهم الإمبراطوريات فتنتهم سيوة حتي أن الاسكندر الأكبر’ المقدوني’ اختارها دون غيرها ليعلن فيها تتويج نفسه إمبراطورا لإمبراطوريته الشاسعة وحدث هذا في عام 332 قبل الميلاد حيث يوجد ‘ معبد الإله آمون’ والموجود في منطقة أم عبيدة التي تقع علي مسافة قصيرة من صخرة’ أغرومي’ التي بني فوقها معبد التنبؤات وفوقها أقيمت ‘ قاعة الاسكندر’ والتي دخل إليها كي يستلهم ويستوحي ويتبارك من الإله ‘ آمون.. أما فوق ‘ جبل الموتي’ فسوف تقف مبهورا بقدرة هؤلاء الذين عاشوا هنا قبل آلاف السنوات. هذا الجبل الذي يسمي أحيانا ‘جبل المصبرين’ يوجد في باطنه مقابر عديدة منحوته في صخور وبشكل فني بديع ومنها مقبرة تي بريانوث ومقبرة مسيرايزس’….
وفي خلفية هذه الصورة البديعة ترقد مدينة ‘شالي القديمة ‘ وهي عبارة عن أطلال علي جبل المدينة الجديدة وهي عبارة عن قلعة لها بابان أحدهما في الشمال والآخر في الجنوب.. وكان البابان يتم إغلاقهما بعد العصر ولا يسمح بالدخول وبالخروج منها إلا بعد فتحهما عند الفجر.. وما تبقي منها يؤكد ذلك فالبيوت التي تم نحتها في الجبل كانت من أجل حماية الأهالي من الغزاة ..
خمسة وخميسة!.
* ومرة أخري:
كم هي لوحة ربانية رائعة!.
وهناك يجب أن تقول لنفسك وللآخرين’ خمسة وخميسة علي عين خميسة’ عندما تزور عيون المياه وهي منتشرة كثيرا بسيوة وأهم هذه العيون الموجودة حاليا هي عين الدكرور وعين خميسة وعين المراقي وعين الخرمشات وعين ناجزرني وعين الزيتون وعين قدشيت وعين كليوباترا والتي يقال إن الملكة الشهيرة نزلت في مياه هذه العين حتي أن البعض يسمي هذه العين بحمام كليوباترا.. وبعض هذه العيون محاط بالأسوار منذ العهد الروماني..
وهي منظر خلاب في حد ذاته .. فأغلبها موجود بفعل المياه الجوفية بالإضافة لمياه الصرف.. وتتبخر صيفا.. وبعض هذه العيون المالحة تنبع في قلبها عيون للمياه العذبة وتمتاز بتركيبها الكيميائي الفريد الذي يضعها في مرتبة أعظم العيون الكبريتية والمعدنية في العالم علاوة علي توافر الطمي في برك هذه العيون بما يتميز به من خواص علاجية تشفي العديد من أمراض الجهاز الهضمي والتنفسي والأمراض الجلدية وغيرها..
وهل تصدق أن المياه هنا أحلي وأعذب مياه في العالم؟!..
هذه حقيقة واقعة أكدتها التحاليل الكيميائية والطبيعية والبيولوجية فالمياه في سيوة لاتزيد درجة ملوحتها عن 200 إلي 250 جزءا في المليون أملاح في حين أن مياه نهر النيل تزيد درجة ملوحتها علي 500 جزء في المليون..
ولاتقل فوائد الرمال السيوية عن مياهها.. وتصل درجة حرارة الرمل إلي 80درجة مئوية خاصة في جبل الدكرور حيث يتم إهالة الرمال الساخنة علي جسم أي مريض ماعدا رأسه ويظل بها لعدة ساعات .. وفيها شفاء من أمراض العظام والأمراض الجلدية وأمراض الجهاز الهضمي..
واحة ‘سيوة’ وهو الاسم الذي أطلقه المقريزي عليها نسبة إلي قبائل السيووهم قبائل البربر التي تسكن سيوة حتي الآن تبلغ مساحتها 7800 كيلو متر… ويطلق عليها ‘الأرض الحمراء’ نسبة لكونها محاطة بالأرض الحمراء الصحراوية..
الليالي القمرية!.
* والأمور هنا لا تخضع لقانون مكتوب بقدر ما تخضع لعرف يحفظه جيل بعد الآخر من أبناء الواحة عن ظهر قلب ولا مجال لميزان آخر لضبط إيقاع الحياة سواه وهو ما يدركه جميع سكان الواحة البالغ عددهم 18 ألفاو500نسمة..
وهم موزعون بين قسمي الواحة الشرقي والغربي.. وينتمون إلي عشرة قبائل ..’ 6 في الواحة الشرقية و4 في الواحة الغربية’.. وهذه القبائل هي ‘أغورمي’ و’الحدادين’و’الظنانين’ و’الحمودات’ و’الشهيبات’و’أولاد موسي ‘و’السرامنة’ و’الشحاين’ و’الشرافطة’ و’الجواسيس’.. بالإضافة إلي 3قري هي ‘ أبو شروف’ وأم الصغير ‘ الجارة’ والمراقي ‘مشندد’ وهم يتحدثون باللغة ‘الأمازيغية’ فيما بينهم كما يقول لنا ‘الشيخ سيد عثمان إبراهيم.. شيخ قبيلة أغورمي رئيس مجلس إدارة جمعية سيوة لتنمية المجتمع المحلي’ والذي يستطرد في كلامه موضحا : إن لكل قبيلة شيخا تلجأ إليه وقت الشدائد لحل المشاكل والمنازعات.. وعند حدوث المشكلة يدعو الشيخ إلي جلسة تضم جميع الأطراف ويحضرها معاونوه من أكبر أبنائها سنا.. ويبلغ شيخ القبيلة الآخر ليحضر معه المشكو في حقه إذا كانت المشكلة بين قبيلتين .. وقبل الكلام تدور أطباق الفول السوداني علي الحاضرين مع صواني الشاي المعروف في سيوة باسم ‘ الزردة’ وبعد صدور الحكم يتولي إعلانه ‘ البواب’ وهو أحد البسطاء وفي أغلب الأحيان يكون هو حاجب الجلسة..
أما شيخ القبيلة فلا يتم اختياره بشكل عشوائي وإنما وفقا لمجموعة من الشروط فعادة يكون من أكبر الأشخاص سنا أو أحسنهم عقلا ونسبا.. وألا يكون به عاهة ظاهرة أو إنحياز أو يكون فاسد الأخلاق.. وفي أغلب الأحيان تتوارث عائلة واحدة مشيخة القبيلة باختيار أكبر أبناء الشيخ المتوفي سنا..
وبعيدا عن إيقاع الحياة اليومي فإن أهم الأيام في رزنامة المواطن السيوي فهي أيام’ عيد الحصاد’ أو عيد السياحة’ .. وهو احتفال خاص وتقليد يحرص عليه الأهالي منذ ما يزيد علي المائتي عام.. ويبدأ الاحتفال بقرار من مجلس ‘ المقاديم’أي الشيوخ.. أي القدوة بالواحة فالقرار قرارهم وحدهم.. وفي العادة يكون في موسم جني البلح والزيتون.. مع الوضع في الاعتبار حركة الأشهر العربية وتنطلق الاحتفالات ولمدة 3 أيام متواصلة مع اكتمال قرص’ القمر’ .. وهو عيد روحي وديني تختلط فيه مظاهر وعادات وتقاليد جميلة.. فاليوم الذي يسبق هذا العيد يشهد نشاطا غير عادي من الأهالي حيث يتبرع كل فرد بجنيه ونصف الجنيه للمسجد الواقع في منطقته مع تبرعه بخمسة أرغفة من خبز الفتة ويقوم عدد من الأهالي بتجميع هذه التبرعات ونقلها إلي جبل ‘الدكرور’ الواقع شرق جنوب سيوة حيث مركز الاحتفال.. كما يتحرك الأهالي في ذات الليلة نحو الجبل لنصب الخيام؟ بغرض الإقامة الكاملة طوال أيام الاحتفال..
ومع فجر اليوم الأول يبدأ الطهاة في طهي لحوم الخراف التي تم ذبحها في الليلة السابقة داخل حاويات ضخمة تقع في منتصف الجبل وعلي ارتفاع نحو 30 مترا من سطح الأرض وتستمر عملية الطهي حتي صلاة الظهر.. وخلال هذه الساعات يجتمع الأهالي وتنشر الزينات ومنافذ بيع مختلف السلع.. وفي الوقت ذاته وفي أحد أركان الجبل تتم عملية أخري في غاية الدقة حيث يتم تجميع أكثر من ألف ‘قصعة’ معدنية ويتم غسلها وتنظيفها قبل أن يتولي مجموعة من الرجال الذين يقومون بتقطيع أرغفة الخبز التي تبرع بها الأهالي وتوزيعها بالتساوي علي جميع القصعات التي تتحرك بين أيدي عشرين شابا حتي تصل إلي المسئول عن تنسيق القصعات في صفوف متوازية عمقها 7 قصعات وبطول مائة واثنتين وأربعين مجموعة وقبل أذان الظهر بدقائق تكون هذه العملية قد انتهت ليستعد الجميع لصلاة الظهر بالساحة الواقعة عند قاعدة الجبل.. وعند إنتهاء الصلاة التي يؤمها في العادة زعيم مجلس ‘ المقاديم’ يقف الشباب في 4 صفوف مزدوجة بين القصعات وحاويات الحساء واللحم المطهو.. ويبدأ الشباب في رفع هذه القصعات ونقلها حتي الطاهي الذي يسكب فيها الحساء واللحم ثم توضع علي المسطح الواقع في نصف الجبل ويقوم عدد من الرجال بالإنشاد الديني وسط هذه التحركات ويجلس المحتفلون علي هيئة دوائر في ذات المكان الذي صلوا فيه الظهر.. ومع اكتمال هذه الدوائر يوضع بكل واحدة منها قصعة ثم يصيح الطاهي بأعلي صوته: باسم ا
.. ويبدأ الأهالي في تناول الطعام بأيديهم لتأكيد روح المساواة!..
وطوال النهار يجتمع مجلس الشيوخ لحل المشاكل والقضايا وإزالة الخلافات والضغائن والاحتفال بالزفاف والمصاهرة بين العائلات.. وبعد صلاة العشاء يجتمع الجميع في حلقة كبيرة لتبدأ الأناشيد الدينية ويتكرر هذا الحال لمدة ثلاثة أيام كاملة.. وفي صباح اليوم الرابع يجتمع الجميع بملابسهم البيضاء المميزة أسفل الجبل ووسطهم حاملو الأعلام الخضراء المكتوب عليها الآيات القرآنية ويتقدم الجميع ‘ المقاديم’ ويسيرون وهم ينشدون الأناشيد الدينية وسط مزارع النخيل والزيتون وكل حين وآخر يتوقفون لقراءة الفاتحة.. وبعد نحو ساعة ونصف الساعة من السير تتوقف المسيرة أمام ضريح ‘سيدي سليمان’ الملقب ب’سلطان سيوة’ ويشكل الجميع دائرة كبيرة جدا وتستمر الأناشيد والتواشيح الدينية لفترة قبل أن تتوقف مع بداية قراءة الجميع للفاتحة والإعلان عن انتهاء أي خلاف بين أفراد الواحة ثم يقوم الجميع بمصافحة بعضهم البعض والتحية لآخر مرة في هذه المناسبة وينفض الجميع!..
* قبل أكثر من 30 عاما كانت سيوة شبه معزولة والوصول إليها صعبا ومجهدا.. وعندما تم البدء في مد طريق أسفلتي يربطهم بمدينة مرسي مطروح تم إبلاغ شيوخ القبائل بالأمر.. فقال أحدهم: الطريق الأسود.. فكان رد المسئول عن المشروع : نعم لونه أسود.. فقال الشيخ: لم أقصد اللون نفسه بل قصدت المعني ،، فنحن مجتمع متدين مغلق.. له تقاليده الحميدة وصغيرنا يحترم كبيرنا.. والأمراض عندنا محدودة ولانعرف الجريمة.. وهذا الطريق أسود لأنه سيسهل وصول كل السلبيات المناقضة لكل قيمنا وتقاليدنا!..
وبعد كل هذا الزمن مازالت الواحة تقاوم هذا الزحف.. ومازال المجتمع محافظا علي نقائه.. وسمح للطريق الأسود أن ينقل إليهم النافع فقط وآخر مانقله إليهم هو ذلك الفانوس السحري المسمي ب’الإنترنت’ لتطل سيوة برأسها علي عالم التكنولوجيا لبناء اقتصاد يعتمد إلي حد كبير علي الإنترنت .. وهذا الأمر لم يكن هينا كما يحكي لنا ‘ علي معروف .. مدير مركز تكنولوجيا المعلومات بجمعية سيوة لتنمية المجتمع المحلي’ والذي يضيف قائلا الموقع الذي يحمل عنوان WWW. Megaclub. gov.eg/siwa